رغم أن صناعة الدواجن تُعد أحد أعمدة الأمن الغذائي في أي دولة، إلا أن الواقع يكشف عن فجوة حقيقية بين حجم القطاع وأسلوب إدارته، سنين طويلة مرت والحديث عن “التوطين” لا يتعدى كونه شعارًا متكررًا، بينما على الأرض، لا تزال آلاف المزارع تُدار بعقليات تقليدية، وأدوات بدائية، في سوق لا يرحم، تحكمه تكلفة متصاعدة وتغيرات اقتصادية سريعة، والأزمة هنا ليست فقط في نقص الإنتاج أو ارتفاع التكلفة، بل في غياب الرؤية العملية التي تبدأ من التعليم وتنتهي بإدماج التكنولوجيا في كل مراحل العملية الإنتاجية.
الأزمات التي تواجه الصناعة ليست جديدة، لكنها تتكرر بنفس الأسلوب لأن العلاج غائب والتعامل مؤقت، فمعظم المزارع ما زالت تعمل بأنظمة التربية المفتوحة، ما يجعلها عرضة دائمة للأمراض والتقلبات المناخية، وكل موسم يمر على المربي بدون خطة وقائية أو دعم علمي هو موسم يحمل خسائر متوقعة، ومع غياب قاعدة بيانات دقيقة عن المزارع العاملة تصبح إدارة السوق أو الاستجابة للأزمات مجرد اجتهادات، في حين يبقى العامل البشري الحلقة الأضعف، إذ لا تأهيل حقيقي ولا تدريب جاد، فقط اجتهادات فردية وسط سوق شديد التقلب، أما التكنولوجيا فهي الغائب الأكبر، رغم أن الدول التي تقدمت في هذا المجال لم تعتمد على كثرة المزارع بل على عقلية الإنتاج الحديث المبني على العلم والتحكم الآلي.
ولأن التحدي كبير، فإن الخروج من هذه الدائرة يبدأ من إصلاح القاعدة، لا من الأعلى، فالتكنولوجيا لم تعد رفاهية بل ضرورة بقاء، والتعليم المهني الزراعي لم يعد خيارًا بل أساسًا لصناعة آمنة ومستدامة، والمدارس الفنية المتخصصة يمكنها أن تخرج جيلًا جديدًا من المزارعين والفنيين الذين يفهمون دورة الإنتاج بلغة الأرقام والتقنيات، لا بالوراثة والتجربة، وإذا تم إدخال أنظمة ذكية لرصد الأمراض والتحكم في الحرارة والإضاءة والتغذية داخل المزارع، حتى الصغيرة منها، فإن معدلات النفوق ستتراجع، وجودة المنتج سترتفع، والتكلفة ستنخفض، والأهم أن المربي سيشعر أن هناك من يعمل على تحسين واقعه، لا فقط تحميله نتائج الأزمات.
في قلب هذه الصورة، تبرز محافظة الفيوم كنموذج يجب أن يُدرَس، فهي من المحافظات التي بدأت بالفعل في خطوات جادة نحو تطوير صناعة الدواجن من خلال دمج أدوات التكنولوجيا البسيطة مع وعي متزايد بأهمية التعليم الزراعي، فالمزارع في الفيوم بدأ يتحول من ممارس تقليدي إلى صاحب مشروع يعرف ماذا يفعل ولماذا؟، بدعم من مبادرات أهلية وتعليم فني بدأ يستعيد دوره، كما أن الطبيعة الجغرافية والمناخ المناسب وتوافر الأيدي العاملة عوامل تجعل من الفيوم أرضًا خصبة لتجربة وطنية يمكن تعميمها في محافظات أخرى إذا وجدت الإرادة والدعم.
وحتى تنجح التجربة بشكل فعلي، فإن المطلوب ليس فقط دعم مادي، بل تغيير جذري في منهجية التفكير، نحتاج إلى تأسيس معامل تدريب ميدانية داخل المحافظات تكون بمثابة مدارس تطبيقية حقيقية، ونحتاج إلى تغيير مفهوم الدعم ليصبح دعمًا معرفيًا وفنيًا، وليس مجرد تمويل موسمي، كما نحتاج إلى فتح المجال أمام الشباب للانخراط في القطاع من بوابة العلم والتكنولوجيا، لا من بوابة الحاجة فقط، لأن العامل المؤهل هو أساس كل صناعة ناجحة، والصناعة التي لا تعتمد على العقول تموت حتى لو امتلكت الأرض والموارد.
توطين صناعة الدواجن في مصر لن يتم بإعلانات ولا بتصريحات، بل ببناء بنية تحتية معرفية وعلمية تبدأ من التعليم وتنتهي بتطبيق التكنولوجيا في الميدان، ولا يمكن الحديث عن أمن غذائي حقيقي دون تأمين هذا القطاع الذي يرتبط مباشرة بحياة ملايين المصريين، وإذا كنا نبحث عن نموذج، فمحافظة الفيوم قدمت المفتاح الأول، وما بقي هو أن نفتح به الباب على مصراعيه لبناء صناعة داجنة قادرة على البقاء والنمو والمنافسة.
ولأن هناك رجال وطنيين يقدرون الصناعة ويدركون جيدًا مدي أهميتها في النهوض بالاقتصاد المصري، ولان التكنولوجيا أصبحت هي العنصر الأساسي بجانب التعليم، أعلن المهندس هيثم حسين، رئيس مجلس إدارة منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي)، خلال زيارة رسمية إلى ألمانيا شملت شركة “بيج دوتش مان” – الصرح الأكبر عالميًا في تكنولوجيا الثروة الداجنة، عن إنشاء أول مدرسة من نوعها في مصر والشرق الأوسط لتعليم فنون وتكنولوجيا تربية الدواجن الحديثة، بمحافظة الفيوم، على أن تحمل اسم “بيج دوتش مان”، في إطار خطة لإعادة الريادة للفيوم في هذا المجال الحيوي.
من جانبه أكد المهندس هيثم حسين، في تصريحات خاصة لـجريدة «عمال مصر» أن اختيار الفيوم لم يأتِ من فراغ، بل لإيمان المنظومة بأنها “البوابة الأولى لتنمية الصعيد وسلة غذاء مصر”، مشيرًا إلى أن الأحلام العظيمة تبدأ من أفكار عظيمة وإرادة لا تلين.
وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية منظومة OMC الاقتصادية تحت قيادة المهندس هيثم حسين، لتعزيز التعليم الفني والتطبيقي، وربط التكنولوجيا الألمانية باحتياجات السوق المصري، بالإضافة إلى نقل الخبرات الألمانية إلى مصر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الداجني عبر كوادر مؤهلة ومدربة بأعلى المعايير.
وفى وقت سابق أعلن المهندس هيثم حسين عن إطلاق مشروع “مدينة الثروة الداجنة” في الفيوم، مشيراً إلى أن المنظومة تشمل عنابر تربية دواجن، ومصنع أعلاف، ومجزر آلي، ومصنع تعبئة، وثلاجة حفظ.
وأوضح “حسين” أن المشروع يضم أول مدرسة متخصصة في تكنولوجيا صناعة الدواجن، ومنطقة لزراعة المحاصيل العلفية (كالقمح والذرة) لدعم مصنع الأعلاف، فضلاً عن إنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية بنظام مغلق، وإعادة تدوير وتحلية المياه لتحقيق الاستدامة.
وأضاف رئيس مجلس إدارة منظومة OMC الاقتصادية، أن المشروع يشمل شراكة مع مركز البحوث الزراعية وكلية الزراعة جامعة الفيوم لإنشاء معامل أبحاث متطورة، كما راعى توفير سكن مجهز ومناطق ترفيهية ورياضية للعمال، وفتح 5,000 فرصة عمل لأبناء الفيوم وبني سويف لمكافحة الهجرة غير الشرعية.
وبيّن “حسين” أن الاستثمارات في مدينة الدواجن تتضمن طرح 500 ألف سهم بقيمة 1,000 جنيه للسهم وفق المرابحة الإسلامية، متوقعاً عائداً سنوياً 59% بإيرادات 150 مليون جنيه بناءً على دراسات جهات استشارية معتمدة، بهدف دعم التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي بصعيد مصر.








